الشيخ محمد هادي معرفة

23

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

ويقول الأسقف يوسف درّة الحدّاد : « 1 » استفاد القرآن من مصادر شتّى أهمّها الكتاب المقدّس ولاسيّما كتاب موسى ، وذلك بشهادة القرآن ذاته : « إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى . صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى » . « 2 » « أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى . أن لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى » . « 3 » « وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ . أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ » . « 4 » قال : فآية محمّد الأولى هي مطابقة قرآنه للكتب السابقة عليه . وآيته الثانية استشهاده بعلماء بني إسرائيل وشهادتهم له بصحّة هذه المطابقة . ولكن ما الصلة بين القرآن وكونه في زُبُر الأوّلين ؟ ! هذا هو سرّ محمّد ! فيكون من ثَمَّ أنّه نزل في زُبُر الأوّلين بلغةٍ أعجميّة يجهلونها ، ثُمَّ وَصَلَ إلى مُحمّد بواسطة علماء بني إسرائيل ، فأنذر به محمّد بِلسانٍ عَربيٍّ مُبين . فأصل القرآن منزل في زُبُر الأوّلين ، وهذا يُوحي بصلة القرآن بمصدره الكتابي زُبُر الأوّلين ، أي صحفهم وكتبهم . وأيضا فإنّ شهادة علماء أهل الكتاب بصحّة ما في القرآن لم تكن إلّا لأنّهم كانوا شركاء هذا الوحي المولود . ذلك لأنّ الوحي التنزيلي أمر شخصي لا يعرفه غير صاحبه فحسب . والآية « وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا » « 5 » فيها صراحة بأنّه تتلمذ لدى كتاب موسى وجعله في قالب لسان العرب ، الأمر الذي يجعل من القرآن نسخة عربيّة مترجمة عن الكتاب الإمام . « كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا » . « 6 » التفصيل هنا يعنى النقل من الأصل الأعجمي إلى

--> ( 1 ) - مارس رتبة الكهنوتية فيالكنيسة اللبنانية عام 1939 م . ثمّ انقطع زهاء عشرين عاما يبحث عن شؤون الإسلام والقرآن على أسلوبه الكهنوتي ، حاول التقارن والتقارب بين القرآن وكتب العهدين ليجعل الأخيرة منابع للقرآن ومصادره في كلّ ما ينسبه إلى وحي السماء . توفي سنة 1979 م . ( 2 ) - الأعلى 18 : 87 و 19 . ( 3 ) - النجم 36 : 53 - 38 . ( 4 ) - الشعراء 196 : 26 و 197 . ( 5 ) - الأحقاف 12 : 46 . ( 6 ) - فصّلت 3 : 41 .